ابن كثير
205
البداية والنهاية
نفسه فامتنع أشد الامتناع خوفا من الرشيد ، فاحتالت عليه - وكانت أمه تهدي له في كل ليلة جمعة جارية حسناء بكرا - فقالت لامه : أدخليني عليه بصفة جارية : فهابت ذلك فتهددتها حتى فعلت ذلك . فلما دخلت عليه لم يتحقق وجهها فواقعها فقالت له : كيف رأيت خديعة بنات الملوك ؟ وحملت من تلك الليلة ، فدخل على أمه فقال : بعتيني والله برخيص . ثم إن والده يحيى بن خالد جعل يضيق على عيال الرشيد في النفقة حتى شكت زبيدة ذلك إلى الرشيد مرات ، ثم أفشت له سر العباسة ، فاستشاط غيظا ، ولما أخبرته أن الولد قد أرسلت به إلى مكة حج عام ذلك حتى تحقق الامر . ويقال : إن بعض الجواري نمت عليها إلى الرشيد وأخبرته بما وقع ، وأن الولد بمكة وعنده جوار وأموال وحلى كثيرة . فلم يصدق حتى حج في السنة الخالية ، ثم كشف الامر عن الحال ، فإذا هو كما ذكر . وقد حج في هذه السنة التي حج فيها الرشيد يحيى بن خالد ، فجعل يدعو عند الكعبة : اللهم إن كان يرضيك عني سلب جميع مالي وولدي وأهلي فافعل ذلك وأبق علي منهم الفضل ، ثم خرج . فلما كان عند باب المسجد رجع فقال : اللهم والفضل معهم فإني راض برضاك عني ولا تستثن منهم أحدا . فلما قفل الرشيد من الحج صار إلى الحيرة ثم ركب في السفن إلى العمر ( 1 ) من أرض الأنبار ، فلما كانت ليلة السبت سلخ المحرم من هذه السنة أرسل مسرورا الخادم ومعه حماد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند ، فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلا ، فدخل عليه مسرور الخادم وعنده بختيشوع المتطبب ، وأبو ركانة الأعمى المغني الكلوذاني ، وهو في أمره وسروره ، وأبو زكار ( 2 ) يغنيه : فلا تبعد فكل فتى سيأتي * عليه الموت يطرق أو يغادي فقال الخادم له : يا أبا الفضل هذا الموت قد طرقك ، أجب أمير المؤمنين . فقام إليه يقبل قدميه ويدخل عليه أن يمكنه فيدخل إلى أهله فيوصي إليهم ويودعهم ، فقال : أما الدخول فلا سبيل إليه ، ولكن أوص . فأوصى وأعتق جميع مماليكه أو جماعة منهم ، وجاءت رسل الرشيد تستحثه فأخرج إخراجا عنيفا ، فجعلوا يقودونه حتى أتوا به المنزل الذي فيه الرشيد ، فحبسه وقيده بقيد حمار ، وأعلموا الرشيد بما كان يفعل ، فأمر بضرب عنقه ، فجاء السياف إلى جعفر فقال : إن أمير المؤمنين قد أمرني أن آتيه برأسك . فقال : يا أبا هاشم لعل أمير المؤمنين سكران ، فإذا صحا عاتبك في ، فعاوده . فرجع إلى الرشيد فقال : إنه يقول : لعلك مشغول . فقال : يا ماص بظر أمه ائتني
--> ( 1 ) العمر : بضم العين ، وفي نسخ البداية المطبوعة الغمر ، وقال البكري في معجم ما استعجم : قلاية العمر والعمر عندهم : الدير ، والعمر : من السريانية ( عمرا ) وهي تعني البيت ثم خصصت بالدير . أما القلاية فهي صومعة الراهب . ويضم الدير على هذا عدة قلايات . ( 2 ) من الطبري وابن الأثير والفخري . وفي الأصل : أبو ركانة